القاضي عبد الجبار الهمذاني

298

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في بيان حقيقة الظلم اعلم أنا لما عقلنا الآلام وعرفنا كيف يحصل فيها النفع ، وكيف يزول بها الضرر ؛ وكيف تكون مستحقه ، وكيف يعلم ذلك فيها ، وكيف يظن من غير يقين ، لم يمتنع عند ذلك أن يعلم أن في الآلام ما تنتفى كل هذه الوجوه عنه على جملة وعلى تفصيل . فعبرنا عنها - إذا انتفت هذه الوجوه - بأنها ظلم ، وعقلنا من حكمها ما سنبينه من قبح وغيره . فحقيقة الظلم هو كل ضرر لا نفع فيه يوفى عليه ، ولا دفع مضرة زائدة عليه ، ولا مستحق ، ولا يظن / فيه بعض هذه الوجوه . فمتى كان هذا حاله فهو الظلم بعينه ؛ ولا فرق بين أن يكون ألما أو غما أو مؤديا إليهما إذا كان حاله ما وصفنا ؛ لأن كونه ضررا يجمع كل ذلك وإن كان كونه ألما لا يجمع جميعه . ولا يجوز أن يحد الظلم بأنه الضرر القبيح ، لأنه قد يقبح من حيث كان عبثا على ما نبينه ، ويكون مع ذلك غير ظلم . وقد بينا في أوّل باب العدل أنه لا يجوز أن يحد بأنه ليس لفاعله فعله « 1 » ، ولا بأنه وضع الشيء في غير موضعه ، وكشفنا القول فيه ، وبينا أن سائر القبائح لا تقبح لمثل هذه الوجوه ، وأن الضرر بمنزلته في هذا الباب . وجملة ما يقال في ذلك أنه لا معتبر بالعبادات في هذا الباب ؛ فمن خالف في حد الظلم ، فليس يخلو فيما وصفناه من الضرر أن يقول بقبحه وبسائر ما يذكر من أحكامه ، أو يخالف

--> ( 1 ) أي ما يجب ألا يفعله الفاعل .